u/Terrible-Ganache-805

كَيْفَ اسْتَطَاعَ الْمُتَمَذْهِبَةُ قَلْبَ الْأَدِلَّةِ
▲ 6 r/TheSaudiWriters+4 crossposts

كَيْفَ اسْتَطَاعَ الْمُتَمَذْهِبَةُ قَلْبَ الْأَدِلَّةِ

د. أبو مالك السعدي

من كتاب إغاثة الشيخ والطالب

احْتَدَمَ الصِّرَاعُ قَدِيمًا بَيْنَ الدَّاعِينَ إِلَى التَّمَذْهُب وَالْمُحَذِّرِينَ مِنْهُ، وَلَا زَالَ النِّقَاشُ بَيْنَ أَتْبَاعِ الْمَذْهَبيَّةِ وَاللَّامَذْهَبيَّةِ قَائِمًا.

وَكَانَ مِنْ حُجَجِ الْمُتَمَذْهِبَةِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ أَحْدَثَ فوْضَى فِي صُفُوفِ طُلَّاب الْعِلْمِ، وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ نَشْهَدُ هَذِهِ الْفوْضَى تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الْمُتَمَذْهِبَةِ. 

وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّنَا مَكَثْنَا دَهْرًا نَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ، وَاتَّفقَتْ كَلِمَةُ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، فكَانَ شبْهَ إِجْمَاعٍ، وَقَدْ فُصِّلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْآنَ مَنْ يُشَكِّكُ فِي تِلْكَ الثَّوَابتِ بحُجَّةِ: "قَالَ أَصْحَابُنَا"، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ دَلِيلًا. 

وَفِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُمْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ خِلَافُ الدَّلِيلِ، وَالْمُنْكَرُ فِي الْأَمْرِ اتِّخَاذُ "قَالَ أَصْحَابُنَا" مَنْهَجًا وَطَرِيقَةً لِتَعْبيدِ النَّاسِ وَطَلَب الْعِلْمِ ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْعَصْرِ - مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ يُنْسَبُ إِلَى مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِب - يَطْلُبُ مِنْ طُلَّابهِ السُّؤَالَ عَنِ الدَّلِيلِ وَتَقْدِيمَ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ عَلَى نُصُوصِ الْمَذْهَب. 

بَلْ إِنَّ أَئِمَّةَ الدَّعْوَةِ كَانُوا يَعُدُّونَ كُتُبَ الْمَذْهَب بمَنْزِلَةِ عُلُومِ الْآلَةِ يُسْتَعَانُ بهَا عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ إِلَّا. 

وَمَنْ قَرَأَ "الْمَسَائِلَ السِّتَّةَ" وَ"الْقَوَاعِدَ الْأَرْبَعَةَ" فِي مُقَدِّمَةِ رِسَالَةِ الْفِقْهِ لِإِمَامِ الدَّعْوَةِ، عَلِمَ مَنْزِلَةَ كُتُب الْمَذْهَب وَالتَّمَذْهُب أَمَامَ فِقْهِ الدَّلِيلِ. 

وَلِذَلِكَ اتَّفقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ - وَمِنْهُمْ مَنْ عُرِف بشِدَّةِ تَحْذِيرِهِ مِنَ التَّمَذْهُب كَالشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ - اتَّفقُوا عَلَى جَوَازِ دِرَاسَةِ كِتَابٍ فِي الْمَذْهَب كَوَسِيلَةٍ لِلتَّفقُّهِ فِي الدِّينِ، بشَرْطِ عَدَمِ التَّقْلِيدِ أَوِ التَّعَصُّب لِإِمَامِ الْمَذْهَب أَوْ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِف طَرِيقَةَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ فِي هَذَا الْبَاب فلْيَنْظُرْ فِي سِيرَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِمَامِ الدَّعْوَةِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَشَيْخِنَا الْإِمَامِ ابْنِ بَازٍ الَّذِي كَانَ اهْتِمَامُهُ مُنْصَبًّا عَلَى شَرْحِ كُتُب الْحَدِيثِ كَـ"عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ" وَ"إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ"، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اهْتِمَامٌ بكُتُب الْمَذْهَب رَغْمَ أَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى الْمَذْهَب الْحَنْبَلِيِّ، لَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُقَدِّمِينَ لِلدَّلِيلِ.

وَالْمُتَأَمِّلُ فِي حَالِ كَثِيرٍ مِنْ طُلَّاب الْعِلْمِ وَمَنْهَجِهِمْ فِي التَّفقُّهِ فِي الدِّينِ يَجِدُ كَارِثَةً ؛ مِنْ آثَارِهَا أَنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَعْرِفُ جَوَابًا لِكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: "الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ"، وَأَكْثَرُهُمْ حِذْقًا، الْفِقْهُ عِنْدَهُ شَقْشَقَةُ الْأَقْوَالِ وَتَفْرِيعَاتُهَا وَتَخْرِيجَاتُهَا وَ"قَالَ أَصْحَابُنَا" وَ"فِي رِوَايَةٍ" وَ"اسْتَقَرَّ الْمَذْهَبُ"، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الْفِقْهَ أَنْ تُصِيبَ الْحَقَّ الَّذِي رَضِيَهُ وَأَحَبَّهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِئَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَبَقَ نَقْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ .

وَالنَّاظِرُ فِي تَأْرِيخِ تَدْوِينِ الْمَذَاهِب يَجِدُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَا يُسَمَّى بمَجَلَّةِ (الْأَحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ)، حَيْثُ بَدَأَ الْفِقْهُ بَعْدَهَا بالِانْحِطَاطِ وَبَدَأَ الْجُمُودُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ.

وَلَيْتَ الْأَمْرَ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا، بَلْ شَنَّ الْمُتَمَذْهِبَةُ حَرْبًا عَلَى أَصْحَاب مَنْهَجِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بالتَّشْكِيكِ تَارَةً وَبرَمْيِ التُّهَمِ تَارَةً أُخْرَى، وَأَنَّهُ مَذْهَبٌ مُبْتَدَعٌ، وَأَنَّ أَهْلَهُ ظَاهِرِيَّةٌ. وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الَّذِي ذُمَّ بهِ الظَّاهِرِيَّةُ جُمُودُهُمْ أَحْيَانًا عَلَى الظَّاهِرِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ فرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فإِنَّ الْأَخْذَ بالظَّاهِرِ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي مُقَابَلَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّأْوِيلِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ السَّلَفُ. 

ففِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: "الْمَلَائِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ حُرَّاسُ الْأَرْضِ"، وَقَالَ: "لَوْ لَمْ يَأْتِنِي أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَأَتَيْتُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ". 

وَفِي "الْآدَاب الشَّرْعِيَّةِ" لِابْنِ مُفْلِحٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يَقُولُ: "أَهْلُ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودَ بأَهْلِ الْحَدِيثِ أَصْحَابُ "قَالَ" وَ"حَدَّثَنَا" فقَطْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ لَا يَعْدِلُونَ بالدَّلِيلِ شَيْئًا وَلَا يُقَدِّمُونَ آرَاءَ الرِّجَالِ عَلَى الْحَدِيثِ.

وَنَجِدُ ابْنَ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" - وَهُوَ مِنْ كُتُب الْفِقْهِ الْمُقَارَنِ الْمُعْتَمَدَةِ - كَثِيرًا مَا يَنْسِبُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْكَامِ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فيَقُولُ: "وَقَالَ بهِ طَائِفةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ".

وَفِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" عَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ مَجْلِسَ مُنَاظَرَةٍ بَيْنَ مُقَلِّدٍ لِإِمَامِ مَذْهَبٍ وَبَيْنَ صَاحِب حُجَّةٍ مُنْقَادٍ لِلْحَقِّ، وَذَكَرَ ثَمَانِينَ وَجْهًا فِي إِبْطَالِ التَّقْلِيدِ وَالتَّمَذْهُب، وَفِي آخِرِهَا قَالَ: "الْوَجْهُ الثَّمَانُونَ: أَنَّ الْمُقَلِّدِينَ حَكَمُوا عَلَى اللهِ قَدَرًا وَشَرْعًا بالْحُكْمِ الْبَاطِلِ جِهَارًا، الْمُخَالِفِ لِمَا أَخْبَرَ بهِ رَسُولُهُ، فأَخْلَوُا الْأَرْضَ مِنْ ‌الْقَائِمِينَ ‌للهِ ‌بحُجَجِهِ، وَقَالُوا: لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ عَالِمٌ مُنْذُ الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ ... وَهَذِهِ أَقْوَالٌ -كَمَا تَرَى- قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الْفسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالتَّنَاقُضِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بلَا عِلْمٍ، وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ، وَالزُّهْدِ فِي كِتَابهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَتَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْهُمَا مَبْلَغَهَا، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَيُصَدِّقَ قَوْلَ رَسُولِهِ: إِنَّهُ لَا تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بحُجَجِهِ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفةٌ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى مَحْضِ الْحَقِّ الَّذِي بُعِثَ بهِ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا".

ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بفصْلٍ: فِي تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ فِي دِينِ اللهِ بمَا يُخَالِفُ النُّصُوصَ، وَسُقُوطِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ عِنْدَ ظُهُورِ النَّصِّ، وَذَكَرَ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ.

▲ 10 r/DRRESNi+3 crossposts

سعيد فوده لماذا أكثر محاضراته لأعاجم

رأيته يحاضر لأعاجم لا يعرفون الفرق بين القدر المشترك الذي يثبته أهل السنة والاشتراك اللفظي الذي يثبته الأشاعرة وبسببه ينفون صفات الله حتى المتفق عليها كما قال هو في محاضرته كالخلق والقدرة.

ولذلك لجأ المحاضر الأشعري المعاصر إلى القول بتفويض الحقيقة كما لجأ الأشاعرة القدامى إلى القول بالصفات المعنوية إلى جانب صفات المعاني ولذلك الأقرب أن يقال إن مذهب الأشاعرة مذهب فلسفي ويؤول إلى أن وجود الله عندهم لايكون إلا في الذهن ولذلك تراهم ينفون أصل الكيفية لما أثبتوه من الصفات ويسمون الصفات السبع بصفات المعاني وباقي الصفات العشرين مأخوذة من أحوال ابن هشام التي عدها علماء السنة من المحالات بقولهم :

ممـا يقـال ولا حقـيقة تحـته ... معـقولة تدنـو إلى الأفـهامِ

الكسبُ عند الأشعريِّ والحالُ عنـ .. ـد البَهشـميِّ وطـفرة النّظّامِ

ولذلك عندما تلزمهم بقاعدة ما يقال في بعض الصفات يقال في بعضها الآخر يقولون هذه صفات معاني وماتلزمونا به هو عندكم صفات عينية ولذلك تراهم أيضاً يقولون أن الله لاخارج العالم ولاداخله فمذهبهم يؤول إلى وصف الله بالعدم ولذلك قيل المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما

u/Terrible-Ganache-805 — 3 days ago
▲ 1 r/DRRESNi+1 crossposts

كتب العقيدة : ومدى موافقتها لمذهب أهل السنة - مراجعة أصول الدين للغزنوي

الكتاب: كتاب أصول الدين

المؤلف: جمال الدين أحمد بن محمد بن سعيد الغزنوي الحنفي 

(ت 593هـ)

ابتدأ الكتاب بعد خطبة الحاجة بقوله : 

‌الصِّفَات

1 -‌‌ فصل

صانع الْعَالم لَيْسَ بحادث فَلَو كَانَ حَادِثا فَلَا بُد لَهُ من صانع أحدثه ومبدع أنشأه وَذَلِكَ هُوَ الله تَعَالَى وَهُوَ المبدئ المنشئ تبَارك الله رب الْعَالمين .

المؤاخذات على الكتاب وكاتبه : 

بناءً على المبادئ العامة لعقيدة أهل السنّة والجماعة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ، يحتوي نص كتاب "أصول الدين" للغزنوي على عدة مواضع تُعتبر "مخالفات" ، حيث يتبع المؤلف المدرسة الماتوريدية الحنفية (أحد فروع علم الكلام).

إليك بعض الشواهد المستخرجة من الكتاب مرتبة حسب نوع المخالفة:

1. في صفة الكلام (الكلام النفسي والقول بخلق الألفاظ)

يخالف المؤلف معتقد السلف في مسألة القرآن؛ حيث يفرق الغزنوي بين كلام الله الذاتي (الأزلي) وبين الحروف والأصوات التي يصفها بأنها "مخلوقة"، وهذا "قول الكلابية والأشاعرة والماتوريدية":

الشاهد من كلامه : "وَتُسَمَّى الْعبارَات كَلَام الله تَعَالَى وَهِي محدثة مخلوقة وَهِي الْحُرُوف والأصوات وتتابع الْحُرُوف والكلمات" (الفصل 37).

الشاهد من كلامه : "وَكَلَامه قَائِم بِذَاتِهِ لَا يقبل الِانْفِصَال عَنهُ والافتراق بالانتقال إلى الْقُلُوب والأوراق" (الفصل 37).

وقصد بالأوراق المصحف وقد نص علماء السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما تصرّف - أي مهما كانت حالته - من قراءة، أو كتابة، أو حفظ في الصدور، أو سماع، هو كلام الله وليس بمخلوق.

فلا يجوز إطلاق القول بأن القرآن المُثبَت في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية عنه، كما نقرأ ذلك عند كثير من الكتّاب، بل إذا قرأه الناس بألسنتهم، أو كتبوه في المصاحف بأيديهم، أو حفظوه في صدورهم لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، وأما صوت القاريء فهو مخلوق.

قال ابن القيم: "وأئمة السنة والحديث يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم وآداؤهم وتلفظهم كل ذلك مخلوق بائن عن الله". وقال: "البخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله، فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيًا وإثباتًا عن اللفظ". وقال: "والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران:

أحدهما: الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد، ولا فعل له.

الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول، وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، فمنع الإطلاقين، وأبو عبد الله البخاري ميَّز وفصل، وأشبع الكلام في ذلك، وفرق بين ما قام بالرب وما قام بالعبد، وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو الذي سمعه جبرائيل من الله، وسمعه محمد من جبرائيل"

البقية في مقال آخر ...

وكتبه : أبو مالك السعدي

u/Terrible-Ganache-805 — 7 days ago
▲ 1 r/DRRESNi+1 crossposts

المؤلف جاء بشيء جديد لم نعهده في الكتب الأخرى التي تناقش نفس المسألة قسم الإختلاف في المسألة إلى خمسة أقسام وكل قسم له أتباع من المعاصرين خاصة وهذا خلاف المشهور أن الخلاف على قولين

u/Terrible-Ganache-805 — 7 days ago
▲ 2 r/DRRESNi+1 crossposts

بقلم: د. أبو مالك السعدي باحث أكاديمي في العقيدة الإسلامية

الْفَلْسَفَةُ، بِمَفْهُومِهَا اللُّغَوِيِّ، هِيَ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنْ أَصْلٍ يُونَانِيٍّ (φιλοσοφία)، وَتَعْنِي "حُبَّ الْحِكْمَةِ". وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْدَمَ اسْتِخْدَامٍ يُونَانِيٍّ لِلْكَلِمَةِ بِمَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ وَرَدَ فِي كِتَابِ الْمُؤَرِّخِ هِيرُودُوت. أَمَّا اصْطِلَاحًا، فَتَتَعَدَّدُ تَعْرِيفَاتُهَا بِتَعَدُّدِ مَدَارِسِهَا وَمَنَاهِجِهَا. فَيُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِأَنَّهَا أُسْلُوبٌ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَقْلِ فِي الْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ الْكَوْنِ وَمَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ وَالْعَقَائِدِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إِثَارَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَتَابِعَةِ دُونَ الْوُقُوفِ عِنْدَ جَوَابٍ مُحَدَّدٍ.

بِمَا يَتَمَيَّزُ التَّفْكِيرُ الْفَلْسَفِيُّ وَهَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ!؟

يَتَمَيَّزُ التَّفْكِيرُ الْفَلْسَفِيُّ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْمَاطِ التَّفْكِيرِ فَهُوَ:

تَفْكِيرٌ نَقْدِيٌّ: يَقُومُ عَلَى الشَّكِّ الْمَنْهَجِيِّ. فَالْفَيْلَسُوفُ لَا يَبْدَأُ إِلَّا بِالشَّكِّ، وَلَا يَقْبَلُ فِكْرَةً دُونَ تَمْحِيصٍ وَإِثْبَاتٍ. هَذَا الشَّكُّ لَيْسَ هَدَّامًا، بَلْ هُوَ شَكٌّ بَنَّاءٌ يَهْدِفُ لِلْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ.

وَلَنَا وَقْفَةٌ هُنَا لِأَنَّهُ كَثُرَ اللَّغَطُ حَوْلَ الشَّكِّ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى اتَّخَذَهُ بَعْضُ الْمُثَقَّفِينَ سُلَّمًا لِهَدْمِ الثَّوَابِتِ وَمِنْ أَشْهَرِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ هَذَا الْمَبْدَأُ الْفَيْلَسُوفُ دِيكَارْت وَمَقَالَتُهُ الْمَشْهُورَةُ "أَنَا أُفَكِّرُ إِذًا أَنَا مَوْجُودٌ" وَلَنَا مَقَالٌ حَوْلَ دِيكَارْت وَمَقَالَتِهِ هَذِهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الشَّكُّ عِنْدَ دِيكَارْت لَا يُقْصَدُ بِهِ الشَّكُّ حَتَّى لَوْ ظَهَرَتِ الْحُجَّةُ بَلِ الشَّكُّ الَّذِي يَتَطَلَّبُ الدَّلِيلَ وَالْحُجَّةَ فَيَكُونُ سُلَّمًا لِلْيَقِينِ.

تَفْكِيرٌ تَجْرِيدِيٌّ: يَتَعَامَلُ مَعَ الْمَفَاهِيمِ الْعَامَّةِ وَالْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَادِّيَّةً أَوْ وَاقِعِيَّةً. فَأَحْكَامُهُ وُجُوبِيَّةٌ وَلَيْسَتْ وُجُودِيَّةً، وَهَذَا مَا يُفَرِّقُهُ عَنِ التَّفْكِيرِ الْعِلْمِيِّ.

وَقَدْ يَعْتَبِرُ بَعْضُهُمْ هَذَا مِنْ سَلْبِيَّاتِ الْفَلْسَفَةِ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُهُ مِنْ إِيجَابِيَّاتِهَا.

تَفْكِيرٌ كُلِّيٌّ: يَسْعَى لِدِرَاسَةِ الْمَوْضُوعَاتِ بِشَكْلٍ شُمُولِيٍّ. فَعِنْدَمَا يَدْرُسُ الْفَيْلَسُوفُ الْإِنْسَانَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ كَكَائِنٍ بَيُولُوجِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ حَيْثُ مَاهِيَّتِهِ وَكَيْنُونَتِهِ.

مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ "إِنْسَانٍ" مَا هِيَ إِلَّا مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ بَيْنَمَا فِي الْوَاقِعِ يُوجَدُ مِصْدَاقُ هَذَا الْمَفْهُومِ كَأَحْمَدَ وَعَلِيٍّ وَلَيْلَى أَيْ أَفْرَادٍ.

وَالْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ وَتَمْيِيزُهُ يُنْجِي الْبَاحِثَ مِنَ الْخَلْطِ وَالْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ خَاصَّةً عِنْدَ مُنَاقَشَةِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْفَلْسَفِيَّةِ كَتَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ الَّذِي نَاقَشَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمَنْ قَبْلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِطَرِيقَةٍ تُحَيِّرُ الْعُقُولَ.

تَفْكِيرٌ نَسَقِيٌّ: يَهْتَمُّ بِالْمُحَاكَمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَيَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ أَنْسَاقٍ مَعْرِفِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ.

فَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى فَهْمِ الْعَلَاقَاتِ الْمُتَبَادِلَةِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وَكَيْفَ تَتَفَاعَلُ مَعَ بَعْضِهَا الْبَعْضِ لِتُشَكِّلَ الْكُلَّ. بَدَلًا مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمُشْكِلَاتِ كَأَحْدَاثٍ مُنْفَصِلَةٍ. كَمَا أَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى فَهْمِ الْأَنْمَاطِ وَالْعَمَلِيَّاتِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْمُشْكِلَةِ.

الْمَبَاحِثُ الْكُبْرَى لِلْفَلْسَفَةِ:

تَنْقَسِمُ الْفَلْسَفَةُ تَقْلِيدِيًّا إِلَى عِدَّةِ مَبَاحِثَ رَئِيسَةٍ، يَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْهَا بِمَجَالٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْقَضَايَا الْكُبْرَى:

أَوَّلًا: مَبْحَثُ الْوُجُودِ (الْأُنْطُولُوجِيَا): وَهُوَ الْمَبْحَثُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي حَقِيقَةِ الْوُجُودِ بِشَكْلٍ عَامٍّ، وَيَهْتَمُّ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْوُجُودِ الطَّبِيعِيِّ (الْمُشَاهَدِ) وَالْوُجُودِ الْمِيتَافِيزِيقِيِّ (مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ).

وَفِي هَذَا الْمَبْحَثِ خَاضَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ أَوْ مَا يُسَمَّى بِالْفَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِيِّينَ حَتَّى أَتَوْا بِالْعَجَائِبِ.

ثَانِيًا: مَبْحَثُ الْمَعْرِفَةِ (الْإِبِسْتِمُولُوجِيَا): وَيَتَنَاوَلُ طَبِيعَةَ الْمَعْرِفَةِ وَمَصَادِرَهَا وَحُدُودَهَا، وَيَتَضَمَّنُ اتِّجَاهَاتٍ كَالتَّجْرِيبِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ.

وَهُوَ مَبْحَثٌ مُهِمٌّ حَتَّى لِغَيْرِ الْفَلَاسِفَةِ مِمَّنْ يَهْتَمُّونَ بِدِرَاسَةِ الْفِرَقِ وَالْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ وَفِكْرِ التَّحَرُّرِ وَالتَّغْرِيبِ وَالْإِلْحَادِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَفْكَارِ.

ثَالِثًا: مَبْحَثُ الْقِيَمِ (الْأَكْسِيُولُوجِيَا): وَيَدْرُسُ طَبِيعَةَ الْقِيَمِ وَأُسُسَهَا، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عِلْمِ الْأَخْلَاقِ (قِيمَةِ الْخَيْرِ)، وَعِلْمِ الْجَمَالِ (قِيمَةِ الْجَمِيلِ)، وَالْمَنْطِقِ (قِيمَةِ الْحَقِّ).

فَهُوَ يَرْتَبِطُ بِعُلُومِ: الْأَخْلَاقِ وَالْجَمَالِ وَالْمَنْطِقِ وَنُمَيِّزُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْقِيَمِ:

قِيَمٌ نِسْبِيَّةٌ مُتَغَيِّرَةٌ تُطْلَبُ كَوَسِيلَةٍ إِلَى غَايَةٍ أَبْعَدَ مِنْهَا كَالثَّرْوَةِ وَالْمَالِ.

قِيَمٌ مُطْلَقَةٌ ثَابِتَةٌ يَنْشُدُهَا الْإِنْسَانُ لِذَاتِهَا كَالسَّعَادَةِ.

الْفَلْسَفَةُ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ

شَكَّلَتِ الْفَلْسَفَةُ إِشْكَالِيَّةً كُبْرَى فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ. فَبَيْنَمَا رَفَضَهَا فَرِيقٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، دَافَعَ عَنْهَا الْفَلَاسِفَةُ وَرَأَوْا فِيهَا أَدَاةً ضَرُورِيَّةً لِفَهْمِ الدِّينِ وَالْكَوْنِ. وَفِي خِضَمِّ هَذَا الْجَدَلِ، نَشَأَتْ عَلَاقَةٌ مُرَكَّبَةٌ بَيْنَ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، تَطَوَّرَتْ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ وَالنَّقْدِ إِلَى التَّوْظِيفِ وَالدَّمْجِ.

مَوْقِفُ الرَّفْضِ وَالتَّحْذِيرِ

ظَهَرَ تَيَّارٌ قَوِيٌّ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ نَظَرَ إِلَى الْفَلْسَفَةِ بِعَيْنِ الرِّيبَةِ وَالشَّكِّ، وَرَأَى فِيهَا مَصْدَرًا لِلضَّلَالِ وَالْبِدَعِ. وَمِنْ أَبْرَزِ حُجَجِ هَذَا الْمَوْقِفِ:

النَّظَرُ إِلَيْهَا كَبَابٍ لِلْإِلْحَادِ: حَيْثُ اعْتَبَرَ الْبَعْضُ أَنَّ الْفَلْسَفَةَ، بِتَقْدِيمِهَا الْعَقْلَ عَلَى النَّقْلِ، قَدْ تَتَبَلْوَرُ فِي صُورَةِ إِلْحَادٍ أَوْ عَلْمَانِيَّةٍ.

مُخَالَفَتُهَا لِتَعَالِيمِ الدِّينِ: رَأَى الْبَعْضُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَتَعَلَّمَ النَّاسُ أُمُورَ دِينِهِمْ مِنْ عُقُولِ الْفَلَاسِفَةِ وَآرَائِهِمْ دُونَ تَوَسُّطِ الْأَنْبِيَاءِ.

نَقْدُ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ لَهَا: يُنْسَبُ إِلَى الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أَقْوَالٌ شَدِيدَةٌ فِي نَقْدِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ.

مَوْقِفُ الْقَبُولِ وَالتَّوْفِيقِ

فِي الْمُقَابِلِ، بَرَزَ فَلَاسِفَةٌ وَمُفَكِّرُونَ دَافَعُوا عَنِ الْفَلْسَفَةِ وَرَأَوْا أَنَّهَا لَا تَتَعَارَضُ مَعَ الدِّينِ، بَلْ هِيَ طَرِيقٌ لِمَعْرِفَةِ الْكَوْنِ وَالْخَالِقِ.

الْكِنْدِيُّ: اعْتَبَرَ أَنَّ الدِّينَ وَالْفَلْسَفَةَ لَا يَتَخَالَفَانِ.

الْفَارَابِيُّ: حَاوَلَ التَّوْفِيقَ بَيْنَ حَقِيقَةِ الْوَحْيِ وَحَقِيقَةِ التَّفَلْسُفِ.

ابْنُ رُشْدٍ: انْتَصَرَ لِلْفَلْسَفَةِ بِاعْتِبَارِهَا تُسَاعِدُ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

ابْنُ طُفَيْلٍ: جَسَّدَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الدِّينِ وَالْفَلْسَفَةِ فِي قِصَّتِهِ "حَيِّ بْنِ يَقْظَانَ".

لَكِنَّ أَصْحَابَ الْأَوَّلِ يَرَوْنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْفَلَاسِفَةُ الْمَعْنِيُّونَ بِكَلَامِهِمْ وَتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ فَلَا يُقْبَلُ رَأْيُهُمْ.

الْجَدَلِيَّةُ بَيْنَ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ

شَهِدَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ عِلْمِ الْكَلَامِ (الْأَشْعَرِيِّ خَاصَّةً) وَالْفَلْسَفَةِ تَطَوُّرَاتٍ مُعَقَّدَةً. فَبَعْدَ مَرْحَلَةٍ أُولَى مِنَ النَّقْدِ، انْتَقَلَتِ الْعَلَاقَةُ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ الشَّامِلَةِ كَمَا حَدَثَ بَيْنَ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ. لَكِنَّ هَذِهِ الْمُوَاجَهَةَ لَمْ تَمْنَعِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ تَوْظِيفِ الْفَلْسَفَةِ فِي خِدْمَةِ الدَّرْسِ الْكَلَامِيِّ.

وَرَغْمَ تَكْفِيرِ الْغَزَالِيِّ لِلْفَلَاسِفَةِ إِلَّا أَنَّهُ يُعَدُّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى قَالَ عَنْهُ ابْنُ عَرَبِيٍّ:

"شَيْخُنَا أَبُو حَامِدٍ بَلَعَ الْفَلَاسِفَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَقَيَّأَهُمْ فَمَا اسْتَطَاعَ."

لَكِنْ هنالك مُتَكَلِّمُونَ فَلَاسِفَةٌ مِثْلُ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ، مَزَجُوا بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى ظُهُورِ مُتُونٍ كَلَامِيَّةٍ ذَاتِ طَابَعٍ فَلْسَفِيٍّ.

تَهَافُتُ الْفَلَاسِفَةِ

الْغَزَالِيُّ وَ"تَهَافُتُ الْفَلَاسِفَةِ"

يُمَثِّلُ كِتَابُ "تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ" لِلْغَزَالِيِّ هُجُومًا مَنْهَجِيًّا عَمِيقًا عَلَى الْمِيتَافِيزِيقَا الْفَلْسَفِيَّةِ. وَرَغْمَ الرَّدِّ الْقَوِيِّ الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ رُشْدٍ، فَإِنَّ أَثَرَ الْكِتَابِ يَبْقَى مَحَلَّ جَدَلٍ كَبِيرٍ بَيْنَ مَنْ يَرَاهُ سَبَبًا فِي تَرَاجُعِ الْفَلْسَفَةِ، وَمَنْ يُؤَكِّدُ اسْتِمْرَارِيَّتَهَا وَازْدِهَارَهَا بَعْدَهُ.

فَقَدْ أَلَّفَ الْغَزَالِيُّ كِتَابَهُ بِهَدَفِ إِظْهَارِ تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ وَتَنَاقُضِ مَذَاهِبِهِمْ، مُعْتَمِدًا عَلَى أُسُسٍ فَلْسَفِيَّةٍ فِي نَقْدِهِمْ.

تَرَكَّزَ الْخِلَافُ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ كَفَّرَ بِهَا الْغَزَالِيُّ الْفَلَاسِفَةَ:

الْقَوْلُ بِقِدَمِ الْعَالَمِ.

إِنْكَارُ عِلْمِ اللَّهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ.

إِنْكَارُ حَشْرِ الْأَبْدَانِ فِي الْآخِرَةِ.

الرُّدُودُ عَلَى "التَّهَافُتِ" - ابْنُ رُشْدٍ نَمُوذَجًا

جَاءَ الرَّدُّ الْأَبْرَزُ عَلَى كِتَابِ الْغَزَالِيِّ مِنَ الْفَيْلَسُوفِ الْأَنْدَلُسِيِّ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ "تَهَافُتِ التَّهَافُتِ". فِي هَذَا الْكِتَابِ, دَحَضَ ابْنُ رُشْدٍ حُجَجَ الْغَزَالِيِّ وَانْتَصَرَ لِلْفَلْسَفَةِ الْعَقْلَانِيَّةِ. كَمَا دَافَعَ عَنِ الْفَلَاسِفَةِ فِي كُتُبٍ أُخْرَى مِثْلِ "فَصْلِ الْمَقَالِ".

تَقْيِيمُ أَثَرِ "التَّهَافُتِ" - جَدَلٌ مُسْتَمِرٌّ

انْقَسَمَ الْبَاحِثُونَ وَالْمُؤَرِّخُونَ حَوْلَ تَقْيِيمِ الْأَثَرِ الْحَقِيقِيِّ لِكِتَابِ "تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ":

رَأْيٌ: يَرَى أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْفَلْسَفَةِ

يَرَى بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ وَجَّهَ "ضَرْبَةً قَاضِيَةً لَمْ تَقُمْ لِلْفَلْسَفَةِ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ" فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ.

رَأْيٌ: يَرَى اسْتِمْرَارَ الْفَلْسَفَةِ بَعْدَهُ

يَرَى فَرِيقٌ آخَرُ أَنَّ هَذَا الزَّعْمَ "وَهْمٌ"، وَيُقَدِّمُونَ أَدِلَّةً عَلَى اسْتِمْرَارِ الْفَاعِلِيَّةِ الْفَلْسَفِيَّةِ بَعْدَ الْغَزَالِيِّ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

وَلِذَلِكَ كَتَبَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُعَاصِرِينَ مَقَالًا بِعُنْوَانِ ""تَهَافُتُ الْفَلَاسِفَةِ".. الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ الْكَاذِبَةُ".

الْمُتَابِعُ يَجِدُ أَنَّ تَهَافُتَ التَّهَافُتِ قَدْ تَبِعَهُ رُدُودٌ عَلَى مَا جَاءَ فِيهِ وَبَعْضُهُمْ عَقَدَ مُحَاكَمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّهَافُتِ.

وَفِي الْخِتَامِ،

نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ الْفَلْسَفَةَ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ؛ فَبِقَدْرِ مَا تَمْنَحُ الْبَاحِثَ أَدَوَاتٍ نَقْدِيَّةً وَمَلَكَاتٍ تَحْلِيلِيَّةً، إِلَّا أَنَّ الِانْغِمَاسَ فِيهَا دُونَ حَصَانَةٍ عَقَدِيَّةٍ مَتِينَةٍ، وَدُونَ الِاعْتِصَامِ بِنُورِ الْوَحْيِ الْمُبِينِ، يُعَدُّ مَغَامَرَةً مَحْفُوفَةً بِالْمَخَاطِرِ. إِنَّ التَّحْذِيرَ السَّلَفِيَّ مِنَ الْخَوْضِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ لَمْ يَكُنْ مُحَارَبَةً لِلْعَقْلِ، بَلْ صِيَانَةً لَهُ مِنْ أَنْ يَضِلَّ فِي مَتَاهَاتِ الْمِيتَافِيزِيقَا الَّتِي لَا تَنْتَهِي إِلَى يَقِينٍ، وَإِشْفَاقًا عَلَى الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ مِنْ أَنْ تَتَلَطَّخَ بِشُبُهَاتِ التَّجْرِيدِ الْمَحْضِ.

لِذَا، فَإِنَّ دِرَاسَةَ الْفَلْسَفَةِ لَا تَسْتَقِيمُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا إِذَا جَعَلَ الشَّرْعَ مِيزَانًا لِلْعَقْلِ، لَا الْعَقْلَ حَاكِمًا عَلَى الشَّرْعِ؛ فَكَمْ مِنْ عَقْلٍ ذَكِيٍّ غَابَ عَنْهُ الزَّكاءُ فَتَاهَ فِي دَيَاجِيرِ الْحَيْرَةِ، وَكَمْ مِنْ مُتَفَلْسِفٍ طَلَبَ "الْحِكْمَةَ" فِي أَرْوِقَةِ الْبَشَرِ فَأَضَاعَ "الْهُدَى" الْمُنَزَّلَ مِنَ خَالِقِ الْقُوَى وَالْفِطَرِ. وَالسَّعِيدُ مَنْ جَعَلَ نَظَرَهُ فِي كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ لِلِاعْتِبَارِ وَالرَّدِّ، لَا لِلِاعْتِقَادِ وَالتَّقْلِيدِ، مُسْتَحْضِرًا أَنَّ الْحَقَّ كُلَّ الْحَقِّ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَمَا سِوَاهُ فَعَرَضٌ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا وَافَقَ النَّصَّ وَيُرَدُّ مَا نَاقَضَهُ.

u/Terrible-Ganache-805 — 10 days ago
▲ 5 r/TheSaudiWriters+1 crossposts

دار النقاش مرة أخرى .. فرأيت إعادة النشر ولو أن القصة مضى وقتها

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْإِنْسَانُ فِي نَظَرِهِ إِلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ، أَنْ يَجْعَلَ عَاطِفَتَهُ مِيزَانًا لِلْحُكْمِ، فَيُغَلِّبَ جَانِبَ الشَّفَقَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ أَوِ الْإِعْجَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ أَحْكَامٍ ثَابِتَةٍ. وَالْحَقُّ أَنَّ شُؤُونَ الْآخِرَةِ لَيْسَتْ مَوْكُولَةً إِلَى أَهْوَاءِ الْبَشَرِ وَلَا إِلَى مَشَاعِرِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْكُومَةٌ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، يَقُومُ عَلَى الْعَدْلِ التَّامِّ وَالَّذِي لَا يَتَنَافَى مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ كَمَا يَظُنُّ بَعْضُهُمْ .

فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَدَّدَ شُرُوطَ قَبُولِ الْعَمَلِ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ، وَأَنَّ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُبْنَى عَلَى مَا تَهْوَاهُ النُّفُوسُ بَلْ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الركُونَ إِلَى الْعَاطِفَةِ فِي مَسَائِلِ الْمَغْفِرَةِ وَالنَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ، يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي مُخَالَفَةِ الْوَحْيِ، وَغَضَبِ الرَّبِّ، ظَانًّا أَنَّهُ بِهذا يَرْحَمُ، محْتجاً بأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، بَيْنَمَا هُوَ يَتَعَدَّى عَلَى حُدُودِ اللَّهِ. لِأَنَّ اللَّهَ عِنْدَمَا قَالَ {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قَالَ عَقِبَهَا مُبَاشَرَةً {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الْأَعْرَاف:156]. فَهَذَا الْمِيزَانُ الْإِلَهِيُّ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ، بَلْ هُوَ عَيْنُ رَحْمَتِهِ، إِذْ أَنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحَانَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، فَيُعْطِي كُلَّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ بِمَا يُوَافِقُ عَمَله، بَعْدَ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ إِرَادَةً . قَالَ تَعَالَى {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} فَلَا يُظْلَمُ أَحَدٌ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَالْمُتَأَمِّلُ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى يَجِدُ فِيهَا مَا يُغْضِبُ اللَّهَ وَيُؤْذِيهِ وَأَنَّ مَا يُقَدِّمُهُ أَحَدُهُمْ مِنْ خَيْرٍ يَسْتَحْسِنُهُ النَّاسُ لَا يُسَاوِي شَيْئًا أَمَامَ هَذَا التَّنَقُّصِ فِي حَقِّ اللَّهِ.

فَمِمَّا يُغْضِبُ اللَّهَ فِي عَقِيدَةِ النَّصَارَى:

  • الشِّرْكُ (أَوِ التَّثْلِيثُ وَتَأْلِيهُ الْمَسِيحِ).

قَالَ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: 73] وَهَذَا شِرْكٌ صَرِيحٌ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَيُغْضِبُ اللَّهَ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُسَاوِي بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَقَدْ تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأَشَدِّ الْعَذَابِ عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا.

  • نِسْبَةُ الْوَلَدِ لِلَّهِ (وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِيذَاءِ).

قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مَرْيَم] .

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا!). فَنِسْبَةُ الْوَلَدِ إِلَى اللَّهِ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّهُ تَنَقُّصٌ لِكَمَالِهِ وَغِنَاهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، فَتَرَاهُمْ يُهَنِّئُونَ النَّصَارَى بِعِيدِ مِيلَادِ الْمَسِيحِ الَّذِي يَعْتَقِدُ النَّصَارَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ .

  • تَأْلِيهُ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ قَالُوا إِنَّ عِيسَى إِلَهٌ، وَبَعْضُ طَوَائِفِهِمْ غَلَتْ حَتَّى عَبَدُوا مَرْيَمَ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيوبِ﴾ [الْمَائِدَة: 116]

  • نِسْبَةُ الظُّلْمِ إِلَى اللَّهِ فِي عَقِيدَةِ الْفِدَاءِ. يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ أَنْ يُصْلَبَ ابْنُهُ - بِزَعْمِهِمْ - لِيَفْتَدِيَ الْبَشَرَ.

فَالْقَوْلُ بِالْفِدَاءِ وَالْخَلَاصِ بِصَلْبِ الْمَسِيحِ يَتَضَمَّنُ أَعْظَمَ الطَّعْنِ فِي عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، إِذْ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ لِلْبَشَرِ إِلَّا بِقَتْلِ بَرِيءٍ مَظْلُومٍ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ.

  • تَحْرِيفُ كُتُبِهِ وَرِسَالَاتِهِ.

نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَغَيَّرُوا كُتُبَهُ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 79]

  • دَعْوَى الْمَحَبَّةِ الْخَاصَّةِ مَعَ تَرْكِ الطَّاعَةِ، يَقُولُونَ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.

وَهَذَا فِيهِ سُوءُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ، إِذْ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ النَّسَبِ أَوِ الِانْتِسَابِ اللَّفْظِيِّ يُغْنِيهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ.

هَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ مِمَّا عِنْدَ النَّصَارَى مِنْ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ تُغْضِبُ الرَّحْمَنَ، وَقَلَّمَا تَجِدُ نَصْرَانِيًّا إِلَّا وَيَقَعُ فِي هَذَا وَفِيمَا هُوَ أَشْنَعُ مِنْهُ، وَمَهْمَا عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فِي نَظَرِ النَّاسِ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَشْفَعُ لَهُ وَلَا تُحَسِّنُ صُورَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.

وَالنَّاظِرُ فِي السِّيرَةِ، يَجِدُ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ ، قَدْ قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ وَلِنَبِيِّ الْإِسْلَامِ ﷺ مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ جَهَلَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَرَغْمَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِ وأَشْباهه إِذْ تَبَيَّنَ كُفْرُهُمْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التَّوْبَة: 113].

فَبَعْدَ وَفَاةِ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَعِيشُ فِي كَنَفِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ مِنْ عُمُرِهِ، حَضَرَتْ جَدَّهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ الْوَفَاةُ، فَأَوْصَى ابْنَهُ أَبَا طَالِبٍ بِحِفْظِهِ وَحِيَاطَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَصَانَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وَحَمَاهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُطَاعًا فِيهِمْ نَبِيلًا بَيْنَهُمْ، لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى مُفَاجَأَتِهِ بِشَيْءٍ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِهِمْ".

وَقَدْ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ؟ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، فَقَالَ: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ (لَوْلَا أَنَا) أَيْ لَوْلَا شَفَاعَتِي لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِلَّا فَإِنَّ عَمَلَهُ وَمَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَنْفَعْهُ فَقَدْ كَانَ يَحمي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُدَافِعُ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ مِنَ الْمَمَادِحِ الَّتِي لَا تُدَانَى وَلَا تُسَامَى، وَأَظْهَرَ لَهُ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ فِي أَشْعَارِهِ مَا لَا يُجَارَى، وَعَابَ مَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ، فَلَمْ تَنْفَعْهُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ قَلْبُهُ.

فهَذا هُو القَانون وهَذا هُو العَدْل الإلهِي، ففِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ". أي لمْ يُسْلم، فَالْكَافِرُ يُثَابُ عَلَى أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ خَالِدًا فِيهَا، وَتِلْكَ الْأَعْمَالُ تَكُونُ هَبَاءً، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [سُورَةُ الْفُرْقَانِ: 23].

فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الثَّوَابُ الدُّنْيَوِيُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلْأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: 15-16]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ).

وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا اسْتَأْذَنَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ - وَقَدْ مَاتَتْ عَلَى الشِّرْكِ رَغْمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَعُدُّهَا مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ - لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، مَعَ شِدَّةِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي). فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الَّذِينَ تَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِمْ أَوْلَى أَمْ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ.

وكتبه

أبو مالك السعدي

u/Terrible-Ganache-805 — 12 days ago
▲ 11 r/maroc+1 crossposts

ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعَه ستاً من شوال كان كصيام الدهر».

هناك إشكال مشهور عند بعض الباحثين حول كراهة الإمام مالك لصيامها، ولكن بالنظر العلمي الدقيق نجد أن المسألة تحتاج إلى تحرير منهجي:

أولاً: علة الحكم.

القاعدة عند أهل العلم أن الحكم يدور مع علته. بالجمع بين حديث أبي أيوب وحديث ثوبان عند ابن ماجه (الحسنة بعشر أمثالها)، يتبين أن الأجر متعلق بالعدد (36 يوماً × 10 = 360 يوماً).

فقد روى ابن ماجه وصححه الألباني عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا»

"قال عياض : لأن الحسنة بعشرة والستة تمام السنة كما رواه النسائي  " (شرح الزرقاني)

ثانياً: خصوصية شوال.

المبادرة في شوال هي كأداء الصلاة في أول وقتها، وليست شرطاً لتحصيل أصل ثواب "صيام الدهر"، فهذه النصوص تدل على أن صيام الست ليس مختصا بشوال وإنما صيامها في شوال له أجر زائد عن غيره للمبادرة كأداء الصلاة في أول وقتها.

وهذا يحل إشكالات فقهية كثيرة (مثل تقديم القضاء على الست).

ثالثاً: موقف المذهب المالكي.

المنقول عن كبار المالكية كابن الماجشون ومطرف أن مالكاً كان يصومها في خاصة نفسه.

أما قوله في الموطأ: "قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِك يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ إِنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ ".

يوضح أن الكراهة كانت "سداً للذريعة" خوفاً من اعتقاد العوام وجوبها، وأن يلحق برمضان ماليس منه وليس ردًا للسنة.

ففي شرح الزرقاني :

"قال مطرف : فإنما كره صيامها لذلك ، فأما من صامها رغبة لما جاء فيها فلا كراهة ".

قال الشارح "أما صومها على ما أراده الشرع فلا يكره  .. ويحتمل أنه إنما كره وصل صومها بيوم الفطر ، فلو صامها أثناء الشهر فلا كراهة وهو ظاهر قوله ستة أيام بعد الفطر من رمضان ".

يؤيد ذلك أن كتب المالكية المعتمدة مليئة باستحباب صومها لمن أمن هذا المحذور.

الخلاصة: الإمام مالك لم يضعف الحديث أو يجهله، بل أعمل قاعدة أصولية وهي قاعدة سد الذرائع في سياق تاريخي معين، وهو قول للحنفية وليس بدعاً من القول.

وكتبه : أبو مالك

u/Terrible-Ganache-805 — 16 days ago

د. أبو مالك السعدي، باحث أكاديمي في العقيدة الإسلامية

يثير مصطلح "حوادث لا أول لها" نقاشًا قد يشوبه الخلط مع مفهوم "قِدَم العالم" الذي تبناه الفلاسفة. لكن التدقيق العلمي يفصل بين المفهومين بوضوح، ويؤسس لأصل مهم في الفكر الإسلامي، وهو إثبات كمال الخالق عز وجل.

هذه المسألة، رغم عمقها، يمكن تلخيصها على نحو يزيل اللبس، كما فعل الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرحه للطحاوية.

تكمن الإشكالية في أن القول بأن الحوادث لها بداية زمنية يستلزم فترة تعطيل لصفة الفعل الإلهي، وهو ما يتعارض مع نصوص مثل قوله تعالى "فعال لما يريد". فالله سبحانه فعال لما يريد، وإرادته وفعله متلازمان. في المقابل، فإن القول بأن الحوادث لا أول لها لا يعني بالضرورة قِدَم العالم، فالله هو الخالق وكل ما عداه حادث.

يقول الإمام ابن أبي العز: "والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك... ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله محدث ممكن الوجود".

جوهر المسألة: التفريق بين النوع والآحاد

لفهم هذه المسألة، يجب التمييز بين "نوع الفعل" و"المخلوق المعين". فـ "نوع الفعل" دائم بدوام صفات الرب، فالله لم يزل فعالاً. أما "المخلوقات"، فلكل مخلوق بداية ونقطة انطلاق. وبالتالي، فالمخلوقات مسبوقة بالعدم، بينما صفة الخلق أزلية.

  • قِدَم النوع: يعني أن الله لم يزل فعالاً وخالقاً، فصفة الفعل قديمة بقدم الذات.
  • القدم النوعي للخلق: هو تصور ذهني، وهذا أمر يغفل عنه أكثر من تكلم في المسألة، ففي الواقع لا يوجد مخلوق إلا وقبله مخلوق، والله هو الخالق.

يكمن الخطأ في الخلط بين ديمومة الفعل في الأزل وبين أزلية المخلوق المعين نفسه.

الفعل الإلهي: كمال مطلق ومنزه عن التعطيل

إن تصور أن "الفعل" بدأ بعد فترة "سكوت" كما في صفة الكلام أو "تعطيل" للصفات الإلهية، يعني أن الخالق انتقل من حالة العجز إلى حالة القدرة، وهو أمر غير لائق بكمال الله. فالله لم "يصبح" خالقاً، بل هو الخالق أزلاً وأبداً.

نقض مذهب الفلاسفة في قِدَم العالم

يخالف هذا التصور مذهب الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم مع الله. فالمعتقد الإسلامي يؤكد أن كل ما سوى الله مخلوق بمشيئته وإرادته، ومسبوق بالعدم.

ختامًا:

هذا الفهم ليس رأيًا فرديًا، بل هو امتداد لفهم السلف لصفات الأفعال والكلام، كما ورد عن الإمام أحمد وغيره. فمن قال إن الله يتكلم إذا شاء، لزمه أن نوع كلامه قديم، وينطبق الأمر نفسه على أفعاله سبحانه.

أنتظر تعليقكم ...

reddit.com
u/Terrible-Ganache-805 — 16 days ago

لاحظت من خلال النقاشات أن الكثير لديه شغف بالعلم وخاصة العلم الشرعي، لكن المشكلة الكبرى هي (غياب المنهجية). القراءة العشوائية في الكتب دون تأصيل مسبق قد تزيد الشتات ولا تبني ملكة.

من خلال الخبرة الأكاديمية، وضعت نظاماً يسمى (خماسية السعدي)، يبدأ بالمنهجية ثم التحرير وصولاً إلى العقيدة التخصصية وأخيرا التمكن والقراءة الموسوعية.

لذلك خصصت جزءاً من وقتي للإشراف على هذا المشروع وسميته " مالا يسع الشيخ جهله " في أكاديمية درسني لتخريج باحثين متمكنين ..

من كان عنده خبرة في هذا المجال من أجل الوصول للعالمية أرجو أن يمدنا بمدده في التعليقات.

لعلمي أن شعب طويق الحبيب إلى قلبي فيه علماء ومبتكرون ممكن أن نستفيد منهم .

u/Terrible-Ganache-805 — 17 days ago

بناءً على ملاحظتي لهذا المجتمع السعودي الحبيب، أجد وعياً وثقافة عالية، وقاعدة صلبة في التوحيد وأصول العقيدة. سؤالي لكم بكل صراحة:

هل ترون أن طرح موضوعات عقدية "تخصصية" (مثل: حوادث لا أول لها، مسائل الكلام، أو تفصيل مقالات الفرق كالمرجئة والخوارج والأشاعرة) يصلح للنقاش هنا في هذا الفضاء؟ وخاصة هنا في r/saudiarabia

يهمني سماع آرائكم وتوقعاتكم كقراء ومشاركين.

u/Terrible-Ganache-805 — 17 days ago
▲ 3 r/SaudiReaders+1 crossposts

تحرير مسألة "حوادث لا أول لها"

بقلم: د. أبو مالك السعدي باحث أكاديمي في العقيدة الإسلامية

يُساء فهم مصطلح "حوادث لا أول لها" أحياناً بخلطه مع مذهب الفلاسفة في "قِدَم العالم". إلا أن التحرير العلمي يفرق بينهما تفريقاً حاسماً، مؤسساً لأصل من أصول المعتقد الأثري في إثبات كمال الخالق سبحانه.

هذه المسألة مسألة طويلة وعظيمة وهي من محارات العقول وإن كانت ليست من محالاتها وقد لخصها الإمام ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية تلخيصا جيدا ..

وبعض أهل العلم تعرض لهذه المسألة عند رده على ابن المطهر الرافضي وناسب ذلك ذكر كلام الرازي وبراهينه العشرة في إثبات أن الحوادث لها أول فرد عليه بكلام يدل على تقدمه وحدة ذكائه رحمه الله .

والقول بحوادث لها أول يلزم منه تعطيل الله عن صفة الفعل فترة من الزمن وهذا يعارض قوله تعالى ( فعال لما يريد ) وقوله ( ولكن الله يفعل مايريد ) فالله فعال لما يريد فما أراده فعله وما فعله فقد أراده بخلاف العبد الضعيف فإنه يريد ما لا يفعل ويفعل مالا يريد .

ففعله سبحانه وإرادته متلازمان وما ثم فعّال لما يريد إلا الله وحده .

والقول بحوادث لا أول لها لا يلزم منه قدم العالم كما تقول الفلاسفة لأن ماعدا الله حادث والله هو الذي خلق الخلق فكيف يقال أن هنالك مخلوقاً معيناً أزلياً مع الله .

وبهذا تعرف أهمية هذه المسألة في الرد على المعطلة الذين ينفون صفات الأفعال لله بحجة أنها حادثة كما يقولون .

يقول الإمام ابن أبي العز رحمه الله :

“والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لم يزل غير فاعل، ثُمَّ صار فاعلاً. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تَعَالَى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تَعَالَى له، ليس له من نفسه إلا العدم، والفقر، والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تَعَالَى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”

وفي موضع آخر قال :

“ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارناً -لفاعله لم يزل ولا يزال معه- ممتنع محال ولما كَانَ تسلسل الحوادث في المستقبل. لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الأول الذي ليس قبله شيء”

فهذا كلام متين من هذا الإمام فعض عليه ..

وقد اتهم بعض أهل البدع شيخ الإسلام بأنه يقول بقدم هذا العالم … وهذا باطل فإن شيخ الإسلام تكلم عن القدم النوعي للمخلوقات بمعنى وجودها شيئاً فشيئاً ولم يقرر قدم العالم بل أبطله وفرق بين المسألتين ..

1. التفريق بين "النوع" و"الآحاد"

لبّ هذه المسألة يقوم على التفريق بين "جنس الفعل" (النوع) وبين "المخلوق المعين" (الآحاد):

الموقف الأثري: يقرر أن "نوع الفعل" دائم بدوام صفات الرب، فالله لم يزل فعالاً لما يريد، متكلماً إذا شاء.

الآحاد والمخلوقات: كل مخلوق بعينه (كالعرش، والقلم، والإنسان) له بداية ومسبوق بعدم محض. إذن، آحاد المخلوقات مسبوقة بالعدم، أما "صفة الخلق" وجنس الفعل فلا يسبقها عدم أو تعطيل.

فلا بد هنا من معرفة المصطلحات في هذا الباب :

فقِدَم النوع: يقصد به أن الله لم يزل "فعّالاً" و "خالقاً" أزلاً. فصفة الفعل قديمة بقدم ذاته، ولم يكن معطلاً عنها ثم صار فاعلاً .

والقدم النوعي للخلق: هذا لا يكون إلا في الذهن، و في الواقع لا يوجد مخلوق إلا وقبله مخلوق إلى مالانهاية، وكل مخلوق مسبوق بعدم نفسه والله هو الخالق وكل ماعداه مخلوق حادث .

التوضيح المنهجي: بين التقدير الذهني والتحقق الواقعي

يجب التنبه إلى أن "القدم النوعي" للمخلوقات هو تقدير ذهني لدوام فعل الرب، أما في الواقع الخارجي فلا يوجد "مخلوق قديم"، بل كل ما نلمسه ونراه هو آحاد مخلوقة مسبوقة بالعدم. الخلط بين "ديمومة الفعل" في الأزل وبين "أزلية العين المخلوقة" هو الذي أوقع المعطلة في التباسهم.

أما حدوث الأفراد: فكل مخلوق بعينه (أي الفرد) هو حادث ومسبوق بالعدم. ولا يوجد أي مخلوق (معين) أزلي مع الله، فكل مخلوق من السلسلة الممتدة في الماضي حادث يتقدمه محدثه لامتناع تقدم المفعول على فعله .

2. الفعل كمال إلهي منزه عن التعطيل

إن القول بأن "الفعل" بدأ بعد أزلٍ من "السكوت" بالنسبة لصفة الكلام أو "التعطيل" لباقي الصفات كالخلق يقتضي أن الخالق سبحانه انتقل من حالة عدم القدرة على الفعل (أو الامتناع) إلى حالة القدرة، وهذا محال.

المنهج الأثري ينزه الرب عن "التعطيل"، ويؤكد أن كماله سبحانه أزلي؛ فالله لم "يصبح" خالقاً بعد أن لم يكن، بل هو الخالق أزلاً وأبداً كما هو العليم القدير أزلاً وأبداً.

ومن الشبه التي اضطرت بعض السلفيين إلى إثبات التسلسل في الصفات ونفي تسلسل المخلوقات في الماضي ما جاء في ذكر أول مخلوق .

ومادروا أنهم بقولهم هذا قد أبطلوا المسألة من أساسها، وعطلوا الله عن الخلق دهرا لا حد له .

والتحقيق يقتضي أن "الأولية" هنا نسبية لما نعرفه عن هذا العالم المشاهد الذي جاء ذكره في حديث عمران (كالعرش أو القلم)، وليست أولية مطلقة تلزم منها تعطيل صفة الخلق فيما قبل ذلك.

3. نقض مذهب الفلاسفة في "قِدَم العالم"

خلافاً للفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم مع الله كعلة ومعلول بغير مشيئة، يؤكد المعتقد الأثري أن كل ما سوى الله مخلوق بمشيئته وإرادته، وهو مسبوق بالعدم. دوام فعله سبحانه هو تأكيد على أن قدرته على الخلق لا يحدها "فراغ زمني" أو "سكوت أزلي" يسبق كماله.

الخاتمة: امتداد مذهب السلف

هذا التحرير ليس رأياً معزولاً، بل هو مقتضى قول السلف في صفات الأفعال والكلام كما ثبت عن الإمام أحمد وغيره . فمن قال إن الله يتكلم إذا شاء، لزمه أن نوع كلامه قديم، وكذلك يقال في أفعاله سبحانه.

reddit.com
u/Terrible-Ganache-805 — 17 days ago
▲ 12 r/SalafiCentral+1 crossposts

As-salamu alaykum wa rahmatullahi wa barakatuh,

As an academic doctor specializing in Islamic theology (Aqeedah), I often observe students of knowledge struggling with the scattered, sometimes superficial nature of online Islamic debates. The digital age provides a lot of information, but it often lacks structured, foundational learning.

Throughout my academic journey and while working on a comprehensive 26-volume research project addressing critical theological and jurisprudential issues, I realized that the main challenge for students isn't finding information, but rather how to process and structure it.

I want to share a 5-stage academic framework that I highly recommend for anyone looking to move beyond surface-level reading into deep, verified scholarship:

1. Methodology (Al-Manhajiyah): Before acquiring knowledge, one must learn the tools of seeking it. This means understanding how classical scholars structured their works and the logical steps to approach texts.

2. Critical Verification (Al-Tahrir): This is the ability to critically analyze texts, trace rulings and theological statements back to their authentic sources, and understand the precise context behind scholarly differences (Ikhtilaf).

3. Core Belief (Al-I'tiqad): Once the methodology and verification tools are sharpened, the student can deeply study the core tenets of faith with a protected, analytical mind, free from the confusion of contemporary doubts.

4. Supporting Programs (Al-Baramij Al-Musa'idah): Gaining supplementary knowledge in essential sciences such as linguistics, history, and logic to support and contextualize the core Islamic studies.

5. Encyclopedic Reading (Al-Qira'ah Al-Mawsu'iyyah): Expanding horizons by reading major classical and encyclopedic works extensively, which builds an overarching worldview and immense scholarly intuition.

My sincere advice to my brothers and sisters is not to rush into online debates or complex topics without building these foundations first.

I would love to hear from you: Have you found a specific structure helpful in your own Islamic studies? And how do you maintain focus on foundational learning amidst the daily distractions of social media?

reddit.com
u/Terrible-Ganache-805 — 20 days ago