
كَيْفَ اسْتَطَاعَ الْمُتَمَذْهِبَةُ قَلْبَ الْأَدِلَّةِ
د. أبو مالك السعدي
من كتاب إغاثة الشيخ والطالب
احْتَدَمَ الصِّرَاعُ قَدِيمًا بَيْنَ الدَّاعِينَ إِلَى التَّمَذْهُب وَالْمُحَذِّرِينَ مِنْهُ، وَلَا زَالَ النِّقَاشُ بَيْنَ أَتْبَاعِ الْمَذْهَبيَّةِ وَاللَّامَذْهَبيَّةِ قَائِمًا.
وَكَانَ مِنْ حُجَجِ الْمُتَمَذْهِبَةِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ أَحْدَثَ فوْضَى فِي صُفُوفِ طُلَّاب الْعِلْمِ، وَهَا نَحْنُ الْيَوْمَ نَشْهَدُ هَذِهِ الْفوْضَى تَأْتِي مِنْ قِبَلِ الْمُتَمَذْهِبَةِ.
وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّنَا مَكَثْنَا دَهْرًا نَرَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ، وَاتَّفقَتْ كَلِمَةُ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، فكَانَ شبْهَ إِجْمَاعٍ، وَقَدْ فُصِّلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْآنَ مَنْ يُشَكِّكُ فِي تِلْكَ الثَّوَابتِ بحُجَّةِ: "قَالَ أَصْحَابُنَا"، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ دَلِيلًا.
وَفِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُهُمْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ خِلَافُ الدَّلِيلِ، وَالْمُنْكَرُ فِي الْأَمْرِ اتِّخَاذُ "قَالَ أَصْحَابُنَا" مَنْهَجًا وَطَرِيقَةً لِتَعْبيدِ النَّاسِ وَطَلَب الْعِلْمِ ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْعَصْرِ - مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ يُنْسَبُ إِلَى مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِب - يَطْلُبُ مِنْ طُلَّابهِ السُّؤَالَ عَنِ الدَّلِيلِ وَتَقْدِيمَ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ عَلَى نُصُوصِ الْمَذْهَب.
بَلْ إِنَّ أَئِمَّةَ الدَّعْوَةِ كَانُوا يَعُدُّونَ كُتُبَ الْمَذْهَب بمَنْزِلَةِ عُلُومِ الْآلَةِ يُسْتَعَانُ بهَا عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ إِلَّا.
وَمَنْ قَرَأَ "الْمَسَائِلَ السِّتَّةَ" وَ"الْقَوَاعِدَ الْأَرْبَعَةَ" فِي مُقَدِّمَةِ رِسَالَةِ الْفِقْهِ لِإِمَامِ الدَّعْوَةِ، عَلِمَ مَنْزِلَةَ كُتُب الْمَذْهَب وَالتَّمَذْهُب أَمَامَ فِقْهِ الدَّلِيلِ.
وَلِذَلِكَ اتَّفقَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ - وَمِنْهُمْ مَنْ عُرِف بشِدَّةِ تَحْذِيرِهِ مِنَ التَّمَذْهُب كَالشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ - اتَّفقُوا عَلَى جَوَازِ دِرَاسَةِ كِتَابٍ فِي الْمَذْهَب كَوَسِيلَةٍ لِلتَّفقُّهِ فِي الدِّينِ، بشَرْطِ عَدَمِ التَّقْلِيدِ أَوِ التَّعَصُّب لِإِمَامِ الْمَذْهَب أَوْ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِف طَرِيقَةَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ فِي هَذَا الْبَاب فلْيَنْظُرْ فِي سِيرَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِمَامِ الدَّعْوَةِ، وَالشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَشَيْخِنَا الْإِمَامِ ابْنِ بَازٍ الَّذِي كَانَ اهْتِمَامُهُ مُنْصَبًّا عَلَى شَرْحِ كُتُب الْحَدِيثِ كَـ"عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ" وَ"إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ"، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اهْتِمَامٌ بكُتُب الْمَذْهَب رَغْمَ أَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى الْمَذْهَب الْحَنْبَلِيِّ، لَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُقَدِّمِينَ لِلدَّلِيلِ.
وَالْمُتَأَمِّلُ فِي حَالِ كَثِيرٍ مِنْ طُلَّاب الْعِلْمِ وَمَنْهَجِهِمْ فِي التَّفقُّهِ فِي الدِّينِ يَجِدُ كَارِثَةً ؛ مِنْ آثَارِهَا أَنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَعْرِفُ جَوَابًا لِكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلْمِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: "الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ"، وَأَكْثَرُهُمْ حِذْقًا، الْفِقْهُ عِنْدَهُ شَقْشَقَةُ الْأَقْوَالِ وَتَفْرِيعَاتُهَا وَتَخْرِيجَاتُهَا وَ"قَالَ أَصْحَابُنَا" وَ"فِي رِوَايَةٍ" وَ"اسْتَقَرَّ الْمَذْهَبُ"، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الْفِقْهَ أَنْ تُصِيبَ الْحَقَّ الَّذِي رَضِيَهُ وَأَحَبَّهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِئَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَبَقَ نَقْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ .
وَالنَّاظِرُ فِي تَأْرِيخِ تَدْوِينِ الْمَذَاهِب يَجِدُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَا يُسَمَّى بمَجَلَّةِ (الْأَحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ)، حَيْثُ بَدَأَ الْفِقْهُ بَعْدَهَا بالِانْحِطَاطِ وَبَدَأَ الْجُمُودُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ.
وَلَيْتَ الْأَمْرَ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا، بَلْ شَنَّ الْمُتَمَذْهِبَةُ حَرْبًا عَلَى أَصْحَاب مَنْهَجِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بالتَّشْكِيكِ تَارَةً وَبرَمْيِ التُّهَمِ تَارَةً أُخْرَى، وَأَنَّهُ مَذْهَبٌ مُبْتَدَعٌ، وَأَنَّ أَهْلَهُ ظَاهِرِيَّةٌ. وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الَّذِي ذُمَّ بهِ الظَّاهِرِيَّةُ جُمُودُهُمْ أَحْيَانًا عَلَى الظَّاهِرِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ فرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فإِنَّ الْأَخْذَ بالظَّاهِرِ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي مُقَابَلَةِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّأْوِيلِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ السَّلَفُ.
ففِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: "الْمَلَائِكَةُ حُرَّاسُ السَّمَاءِ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ حُرَّاسُ الْأَرْضِ"، وَقَالَ: "لَوْ لَمْ يَأْتِنِي أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لَأَتَيْتُهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ".
وَفِي "الْآدَاب الشَّرْعِيَّةِ" لِابْنِ مُفْلِحٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يَقُولُ: "أَهْلُ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودَ بأَهْلِ الْحَدِيثِ أَصْحَابُ "قَالَ" وَ"حَدَّثَنَا" فقَطْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الَّذِينَ لَا يَعْدِلُونَ بالدَّلِيلِ شَيْئًا وَلَا يُقَدِّمُونَ آرَاءَ الرِّجَالِ عَلَى الْحَدِيثِ.
وَنَجِدُ ابْنَ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" - وَهُوَ مِنْ كُتُب الْفِقْهِ الْمُقَارَنِ الْمُعْتَمَدَةِ - كَثِيرًا مَا يَنْسِبُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْكَامِ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فيَقُولُ: "وَقَالَ بهِ طَائِفةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ".
وَفِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" عَقَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ مَجْلِسَ مُنَاظَرَةٍ بَيْنَ مُقَلِّدٍ لِإِمَامِ مَذْهَبٍ وَبَيْنَ صَاحِب حُجَّةٍ مُنْقَادٍ لِلْحَقِّ، وَذَكَرَ ثَمَانِينَ وَجْهًا فِي إِبْطَالِ التَّقْلِيدِ وَالتَّمَذْهُب، وَفِي آخِرِهَا قَالَ: "الْوَجْهُ الثَّمَانُونَ: أَنَّ الْمُقَلِّدِينَ حَكَمُوا عَلَى اللهِ قَدَرًا وَشَرْعًا بالْحُكْمِ الْبَاطِلِ جِهَارًا، الْمُخَالِفِ لِمَا أَخْبَرَ بهِ رَسُولُهُ، فأَخْلَوُا الْأَرْضَ مِنْ الْقَائِمِينَ للهِ بحُجَجِهِ، وَقَالُوا: لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ عَالِمٌ مُنْذُ الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ ... وَهَذِهِ أَقْوَالٌ -كَمَا تَرَى- قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الْفسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالتَّنَاقُضِ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بلَا عِلْمٍ، وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ، وَالزُّهْدِ فِي كِتَابهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَتَلَقِّي الْأَحْكَامِ مِنْهُمَا مَبْلَغَهَا، وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَيُصَدِّقَ قَوْلَ رَسُولِهِ: إِنَّهُ لَا تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بحُجَجِهِ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفةٌ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى مَحْضِ الْحَقِّ الَّذِي بُعِثَ بهِ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا".
ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بفصْلٍ: فِي تَحْرِيمِ الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ فِي دِينِ اللهِ بمَا يُخَالِفُ النُّصُوصَ، وَسُقُوطِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ عِنْدَ ظُهُورِ النَّصِّ، وَذَكَرَ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ.