اتمنى ان تقرا النص رغم طوله اكثر من مرة لانه غالبا سؤالك له جواب فيه ، هناك امور تبدو خارجة عن السياق ولكن يمكنك اعتبارها امثلة او وجهات نظر قائمة على الرؤية، النص للمناقشة ولكن المناقشة تحتاج فهما لذا افهم النص اولا وانا هنا لتعلم
الإنسان بين القصدية والمنهج الإلهي
رؤية في طبيعة الإنسان وحرية الاختيار ومعنى الاختبار
أرى أن الإنسان ليس إنساناً بمجرد شكله البيولوجي، بل بما يمتلكه من وعي وقصدية. الإنسانية عندي درجات: فكلما امتاز المرء بالوعي والفكر واستخدمهما في سبيل غاية محددة، ازداد إنسانية. هذا الأمر لا يتعلق بالأخلاق في المقام الأول، بل بوجود قصدية معينة وإبراز للفكر والوعي لتحقيقها. وقد تكون هذه القصدية للخير والإصلاح والحفاظ على النظام، وقد تكون للأنا والأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، مع السعي إلى الاستقلال وفرض الحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط الذي لا قصدية له، مجرد ردود أفعال وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، والأقرب إلى الحيوان.
أعتقد أن الإنسان كائن محايد في أصله، ليس شريراً بالفطرة ولا خيّراً محضاً. لكن الله خلقه على هذه الفطرة، وجعل معها المنهج الأخلاقي الإلهي الذي ينظم حياته في كل جوانبها، مع تقييد لحريته من أجل الارتقاء الجماعي. ذلك أن البشر بطبيعتهم لا يستطيعون العيش في سلام يحقق مصلحة الجميع وحرية محدودة دون إطار أخلاقي يؤطر حريتهم. ولقد خلق الله الشر في الوجود لأن طبيعة الحياة اختبار، ولم تُصمم لتكون حياة مثالية. وخلق في الإنسان حرية الاختيار بين اتباع المنهج الإلهي، وبين الحرية المطلقة والأنانية. وهذا الأخير هو ما نسميه شراً: فعل يصدر عن الإنسان لرغبته في الاستقلال وجشعه في الحرية المطلقة.
لن أبتعد عن الواقع، سأضرب مثلاً: طفل قُتل أبوه. في البداية، لو ارتكب جريمة، فهو غير مدرك لوزن المعيار الأخلاقي، وحتى لو قتل فهو غير واعٍ تماماً. لكنه حين كبر وبدأ يدرك أن الثأر خطأ، وأن السعي إليه لم يمنحه الراحة التي توقعها، لم يتغير، بل قرر أن يواصل القتل وارتكاب الجرائم، وبدأ يبرر موت أبيه، ويشعر بأنه ملعون، وأن المجتمع ظالم. ما نفهمه من هذه القصة أن الوعي الأخلاقي يتدرج، لكن الأخطر ليس الجهل، بل أن تدرك الصواب وتظل تكذب على نفسك وتستمر في الخطأ، لأنك وجدت عذراً يبرر أفعالك.
لا أعتقد أن وجود الشر في العالم يعني أن الإله شرير، بل الأمر متعلق بطبيعة الحياة نفسها. الدنيا لم توجد لتكون مثالية، بل لتكون اختباراً. والاختبار لا يكون اختباراً حقيقياً إلا إذا مُنح الإنسان حرية حقيقية: حرية أن يفعل ما يهواه محاولاً الوصول إلى الحرية المطلقة، منغمساً في أنانيته التي قد تنفعه دنيوياً ولو دمرت المجتمع من حوله، أو أن يعيش بالمنهج الإلهي الذي وُجد لينظم حياة البشر ليعيشوا بأفضل شكل ممكن. فبدل التفرد والأنانية الناتجة عن مخالفة أوامر الله، نعيش جميعاً في نظام يرتقي بنا ويحقق غاية وجودنا التي هي العبادة.
ولأن الحياة اختبار، فقد أراد الله – وهو العادل الحكيم – ألا يكون لنا عذر أمامه، فجعل هذا الاختبار وجعل لنا شهوداً على أعمالنا، كي لا يقول بنو آدم: لم تختبرنا. أنت تُختبر وتعلم أنك السبب، وأنك اتخذت الأسباب. فإما أن تكون فائزاً فتعلم لماذا فزت، وإما أن تكون خاسراً فتعلم لماذا خسرت. هذه حقيقة أؤمن بها. لقد أنزل الله الإنسان إلى هذه الحياة لغاية؛ لأن الحياة وجدت لتكون صعبة. والإيمان ليس مجرد معرفة، بل هو جواب يحتاج إلى اليقين وجهاد النفس والبحث حتى تستحقه. لأنه اختبار، فلو أرانا الله نفسه لآمنا جميعاً دون عناء، فما الفائدة من الاختبار إذن؟
خذوا مثلاً إبليس. لم يكن ملكاً، بل كان من الجن، تربى بين الملائكة وكان من أكبر المؤمنين في زمانه. ثم خلق الله آدم وجعله وذريته خلفاء في الأرض. أمر الله الملائكة وعزازيل – وهو اسم إبليس قبل أن يلعنه – بالسجود لآدم الذي خُلق من طين، بينما إبليس جان خُلق من نار. أتاه الغرور والكبر، وسوست له نفسه، فلم ينتبه للأمر وسمح لغروره بالسيطرة عليه. ثم تنبه لماهية الأمر، وتوعد الله بإغواء بني آدم وجرهم إلى النار معه. ومع ذلك، إبليس آمن بالله ورأى عظمته حقاً، وعرض على الله توبة في عصر نبي الله موسى، فأمره الله أن يذهب إلى قبر آدم ويسجد، لكنه مرة أخرى سمح لنفسه وغروره أن يرفض الأمر. فإبليس والكفار – أكثرهم – مدركون أن هذا الدين هو الحق، ولهم حرية الاختيار التامة حقاً، لكنهم اختاروا طريق الخطأ امتثالاً لرغباتهم وشهواتهم وأخطائهم. ومع ذلك فهم أحرار، والله يرزق العبد فرصاً ويعطيه إدراكات وتنبيهات وإشارات، وهو حر.
ثم أرسل الله الرسل والأنبياء، كل إلى قوم معينين، لتذكيرهم برسالة الرسل من قبلهم. لكن محمداً – عليه الصلاة والسلام – مختلف، فقد أُرسل برسالة إلى كافة البشر، رسالة للبشر في عصره وما بعده، وهي رسالة محفوظة من التحريف، تتضمن القرآن والسنة، منهج حياة شامل مبني على الفهم العميق للطبيعة البشرية. وما أُرسل سابقاً كان موجهاً إلى أقوام لهم خصائص اجتماعية وشخصية خاصة، أما البشر بعد النبي وفي عصره فيتمتعون بنزعة مختلفة، مما يجعل منهج محمد – عليه السلام – لا يحتاج إلى رسول بعده.
إذا كان كلام الله هو الأكمل، وإذا كان الله خالق الإنسان، فهذا يعني أنه يفهم الإنسان وجانبه النفسي فهماً تاماً. وما يأمر به، كونه كاملاً ومبنياً على هذا الفهم العميق، هو الأصح والأكمل. ومهما تطور البشر في محاولة ابتكار نظام، سيجدون أنفسهم يقلدون النظام الإلهي دون شعور. وإذا قرروا الاعتماد على عقولهم فقط، متخذين من أنفسهم آلهة تحدد الصواب والخطأ، فسينتهي الأمر بكارثة لا بنظام حقيقي. الإنسان بطبيعته، دون نظام يؤطره، يسعى للنجاة والفائدة الأنانية، لأن الحياة صُممت لتكون اختباراً: لمن يتبعون هذا النظام الذي يخدم البشر ويرتقي بهم، أو لمن يتخلون عنه بناءً على مصلحتهم الشخصية. خروج الإنسان من الهيكلة الأخلاقية – أي الخروج عن النظام الإلهي – يكون بدافع رغبته الذاتية وطموحه الفردي وإرادته غير المؤطرة، وهذا هو الذي أسميه شراً.
إذا كان الله خالق كل شيء، فهو الذي يحدد الأخلاق الحقيقية وما هو صحيح أو خاطئ، ليس المجتمع أو العالم أو البشر، بل الإله نفسه. من الغريب أن نناقش الإله في جودة الأخلاق حينما يكون هو المتحكم فيها وهو بادئها وهو من يحددها. مفاهيم الخير والشر والرحمة لها قيمة واحدة، وهي كونها أوامر من الله صيغت بتناسق مع منهجية أخلاقية حياتية شاملة وجدت لتنظيم شؤون الإنسان والارتقاء به. فإذا قيل لك: إن الخير ليس في القتل، وإن القتل شيء خاطئ، فهذا قادم فقط من أخلاقيات المجتمع التي، لو كان لمجتمع آخر مصلحة في القتل، لحوّلوه إلى خير. ليست للأخلاق قيمة مستقلة بنفسها، فليس هناك من يحدد أن القتل شر أو خير إلا الله.
يستمد الإنسان قيمته من الشيء الذي يملأ به فراغه الروحي. فدون عبودية الإله، يسعى الإنسان لملء هذا الفراغ بشتى الطرق: سواء الاعتراف، أو الانتماء، أو التجاهل وعبودية الشهوة. كل إنسان عبد لشيء ما، وهو فقط له الحرية في اختيار معبوده. فعندما يختفي الإله، يبحث عن سلطة أخرى يخضع لها، أو يتجاهل ملء الفراغ ليصير حيواناً مستهلكاً، أو يحاول تكوين جماعات كي يستطيع النجاة من جنون أنانيته. إن تشكيل البشر لمجموعات ليس إلا وعياً باستحالة البقاء سالماً، كون كل شخص يبتغي حرية مطلقة تدعم أنانيته، وهذا يسبب قتلاً وفوضى، ولا أحد يخدم مصلحته خوفاً من أن تناله مصلحة الآخر وأنانيته. فيكون مجتمعاً ويصنع نظاماً يحرمه من أمور ويمنحه حرية نسبية، وذلك كي يستطيع ضمان نسبة من مصلحته دون أن يعيش في فوضى وحرب باستمرار. ولكن هذا النظام، دون فطرة إلهية أو مع غياب الإله من المعادلة، لا يمكنه الصمود طويلاً، لأن البشر أنانيون بطباعهم، وفي اللحظة التي يرون فيها أن مصلحتهم أعلى من مصلحة تماسك النظام سيبدؤون بالثورة عليه. لذا يحتاج البشر إلى إله يحدد الخير من الشر بمعاييره الخاصة، وذلك كونه السلطة العليا وعبوديته هي غاية الوجود. فكونه إلهاً ونحن عبيد، وكونه خالقاً ونحن مخلوقاته، هو الذي يحدد شرعية أفعاله.
إذا كنت سأعيش حياتي، فلماذا أضيعها في عبودية شهوتي؟ أليس هذا مقرفاً؟ كإنسان، أنا مختلف عن الحيوان، فلماذا أعيش مثله؟ الفراغ وعبودية الشهوة وتجاهل السؤال شيء مرعب ومخيف حقاً، وقد يشعرك بالقيمة، لكنه يرفض أن يجعلك صادقاً مع نفسك لتفكر. أو ربما تفكر وتختار عبودية الأنا والغرور والتكبر والشهوة بملء إرادتك. ولكن ماذا بعد؟ ستموت. فإن كنت ستحيا، فخير لك أن تعيش بأعظم شكل ممكن. فما الأعظم شكلاً من تلبية غايتك كبشري وعبودية إله يستحق؟
لا غاية لوجودي دون إله. فكل فعل أخلاقي أو قصدية معينة يسير الإنسان نحوها دون وجود الله ما هي إلا محاولة ليشعر بالقيمة، سواء عبر الاعتراف أو أي شيء آخر. إذا صنع البشر الأخلاق، فقد صنعوها لتنظمهم، لأنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون العيش بدونها، فهي تمنحهم إطاراً يمكنهم العيش فيه جميعاً دون أن يلتهموا بعضهم البعض، وكي تشعرهم أنهم يفعلون شيئاً له قيمة معينة.
من هنا، فإن الحياة كلها صُممت لتكون اختباراً للبشر، يخرج كل ما فيهم كمخلوقات معقدة، ولم تُخلق الحياة كي تكون مثالية. ولا يمكن للبشر تحديد الجيد من السيئ، كونهم مخلوقات أنانية تريد النجاة والبحث عن غاية. وعدم وجود إطار أخلاقي يجعلهم في حالة فوضى وحرب. والنظام الإلهي وحده من له القوة ليضمن تأطيرهم، كونه صادراً من الإله نفسه. البشر يستطيعون العيش بنظامهم، ولكن ليس فيه ذلك الثقل الذي يجعله ملزماً، أو ذلك الوزن وتلك الشرعية التي تجعله قوياً. ونظام الحيوان والحياة ككل صُمم ليكون بيئة مثالية لاختبار الكائن البشري.
فيما يخص الفطرة، فهي وعي وليست سلطة. وعي خلقه الله فينا، وهذا الوعي يتماشى مع ما ذكره في أخلاقياته. وقد يظن المرء أن شعوره بالانزعاج من القتل فطري محض، ولكن من يدري؟ ربما في مجتمع آخر إن لم أتمكن من قتل شخص ما شعرت بالحزن لأني اعتقدت أن هذا الفعل هو الخير. أي أن شعوري بالانزعاج من عدمه قد يكون تأثيراً اجتماعياً بدلاً من أن يكون شيئاً فطرياً خالصاً. الإنسان يولَد ومعه معرفة أن هناك إلهاً وأن القتل سيئ، لكنه يحتاج إلى تأكيد لذلك عبر المجتمع. فإن انحرف المجتمع، خفت صوت الوعي ولكنه لا يزال موجوداً. يمر الإنسان بعدة صراعات تحاول جعل ذلك الوعي يبرز ليقوده إلى تمام غايته، لكنه في نفس الوقت مخلوق معقد، فيه غرور وفيه شهوة، مثير للاهتمام كموضوع للتجربة وكمعلم للحكمة. فرغم إدراك الإنسان لماهيته، هناك تحديات نفسية وخارجية تحاول إما إخراجه عن الفطرة أو حمله على اتباعها.
الله واعٍ بماهية مخلوقه، ولذا فإن ما يضعه من قواعد ومنهج متطابق تماماً مع سيكولوجية البشر ونفسيتهم. فلو منع الله عباده من الحرب لابتغى فناؤهم، لأنه خلق البشر بطريقة تميل إلى الحرب كحل أو وسيلة، لكنه لا يمكن أن يجعل تلك الحرب تقوم بمبادئ تخالف الفطرة والمنهج الذي وضعه. ولذلك عندما أحل الله سبي النساء والقتال، كان ذلك لأنه الوحيد الذي له الحق في إصدار الحكم على الناس وتحديد من يستحق الموت أو لا، ومن يحدد معايير ما إذا كانت المرأة في وضع يمكنها من الزواج أم لا. إن ما نعتبره خاطئاً اليوم هو شيء نتج عن أخلاقيات اليوم، والتي إن لم تقم على الفطرة فهي تتغير بتغير المصلحة والزمن. فمثلاً مفهوم أسرى الحرب تطور عبر الزمن من العبيد إلى الأسرى حالياً، لكن الإسلام لم يحرم الأمر. لماذا؟ أليس ذلك لأنه شيء سيحدث مهما حاول البشر تغيير مسمياته، لذا بدلاً من حذفه تم وضع إطار له يتداخل مع مفهوم الرحمة؟
وكذلك قضية العلاقة الجسدية مع القاصرات، المحرمة دولياً بحجة أن الفتاة لم تبلغ قدراً معيناً من البلوغ الجسدي والعقلي. هذا المعيار متغير عبر الزمن، فسن الزواج يتغير. ستقول إننا تطورنا، ولكن في الفترة الأخيرة، خصوصاً في العالم الشرقي الآسيوي واليابان، أصبح الترويج لهذا عبر الإعلام شيئاً عادياً، وأصبحت البيدوفيليا شيئاً أشبه بالمشاهد الكوميدية لصناع الترفيه. وبسبب عوامل معاصرة من الطعام إلى الجو، أصبحت الهرمونات الأنثوية تنتشر وتصبح أكثر بروزاً في سن مبكرة، مما يسبب شهوة لأنثى يُعتبر عمرها صغيراً لكن جسدها يبدو ناضجاً. وبسبب التطور المعلوماتي السريع، أصبحت معرفة ماهية الزواج شيئاً طبيعياً في سن مبكرة. ومع انتشار الترفيه الياباني وتبعاته في المجتمع والأفلام الإباحية وتطور التكنولوجيا، لا ندري إن لم يتم تأطير كل هذا ضمن حدود، أين سيأخذنا؟ ألا يجعل التغير التاريخي للمعايير المتخذة لتحديد القدرة على الزواج وجودَ معيار عام صالح لكل وقت ضرورةً؟ أنا خائف، ففتاة الخامسة عشرة تملك جسد الثلاثينية، والهاتف يمنحها الوعي والمعرفة، وإن لم تضبط في إطار وحُكم عليها بالكبت، فهل رقم 18 سينقذ المجتمع حقاً؟
أما اليابان كدولة بعيدة عن الدين كإطار ومرجع، فتجعل معايير الحقيقة والأخلاق نسبية. لذا فإن ترويجهم للحياة الآخرة بشكل كوميدي كالإيسيكاي، أو التصوير الساخر لصورة الله، أو تداولهم لمفاهيم بيدوفيلية، أو خروجهم عن الخط حتى في أبشع المجالات الإباحية، هو دليل واضح على ضرورة الإطار الإلهي. واليابان أكثر تطرفاً من الغرب، لأن ملامح المسيحية ما زالت مغروسة في أوروبا. إنهم يحاولون تسليع الدين لتحويله إلى رمز، ليقودوا العالم الإسلامي إلى جعل العبادة كغاية تتحول إلى عبادة كتقليد، لجعل الإنسان مشلولاً. المشكلة أن العالم بصفة عامة أصبح كسولاً، الاستهلاك جعل منا عبيداً للسرير ولقلب الشاشة. فرغم الوعي، دون إرادة حقيقية لا شيء ينجح. والمخيف أنه رغم كون أمريكا ترفع شعار العلمانية وفصل الدين عن الدولة، فمن الصعب تصديق أن من قبيل الصدفة أنهم – بعد أن جعلوا البشر في منطقة راحة يصعب الخروج منها – يقودون مشروعاً دينياً جنونياً لإجبار الإله، ويعلنون ذلك في قراراتهم المتعلقة بالسامية والصهيونية.
قضية الردة مرتبطة بالحرابة، أي الخيانة العظمى، وليست مجرد تغيير للاعتقاد. الإشكالية في الفهم الكلاسيكي هي أنه دمج بين شيئين مختلفين: تغيير الاعتقاد الخاص (تدين المرء)، والعمل الذي يهدد أمن الجماعة.
الإنسان يشهد له التاريخ بأنه عندما يتم تجاهل الفطرة ويُغيّب المعتقد، يصير المعيار هو قصدية الإنسان للحصول على تقدير الغير. صفّق الناس لهتلر، والآن يصفقون لبنيامين رغم جرائمهم الشنيعة، وفي نفس الوقت قد نجد فلاحاً بسيطاً ينال المدح لعمله الجاد. أي أن القصدية هنا لا تُحدد بعظمة الهدف بقدر ما تُحدد بالسعي المستمر والمنضبط له، وهذا ما يقدّره الناس. الإنسان والقصدية كمعيار يفصلان الإنسان عن الحيوان، كون الإنسان يبحث عن غاية غير إشباع الغرائز، ويملك القدرة على البحث والتقدم نحو تلك الغاية التي تحددها مقدار الانضباط والجهد والعمل. وقصدية المسلم أعظم.
في الحقيقة، لا إكراه في الدين، ويجب أن يكون هناك احترام متبادل بين الناس. الإسلام كمنهج إلهي، حتى لو كرهه البعض، ينظم حياة الفرد ويجعلها للأحسن، ويبعده عن الانبطاح لعبادة شيء آخر: الأصنام، الخرافات، أو عبادة النفس والشهوة. لأن الإنسان ببساطة مختلف عن الحيوان: له عقل وإدراك، ويبحث عن قيمة في الحياة. والإسلام جاء من الإله الذي يعرف ماهية الإنسان ونفسيته كاملة كونه خالقه، فوضع منهجاً ينقذه ويجرده من عبادة شهوته والانبطاح للعيش كحيوان. لا إكراه في الدين، ولا أحد له الحق أن يفرض عليك شيئاً. لكن الحقيقة أن كل شخص هو عبد لشيء ما: إما لشيء لا يستحق، أو للإله الذي خلقه، وهو حر في الاختيار بينهما.
عندما يكون الدين مرجعية، تقوى الأنظمة وهذا مرتبط بصلاح الدين. وعندما يكون الدين أداة أو رمزاً، تضعف الأنظمة.
في النهاية، أعود إلى ما بدأت به: الإنسان مخلوق واعٍ عاقل ذو قصدية معينة. كلما امتاز بالوعي والتفكير واستخدمهما في سبيل قصدية معينة، ازداد إنسانية. الأمر ليس مرتبطاً بالأخلاق وحدها، بل بوجود قصدية وإبراز للفكر والوعي للوصول إليها، سواء كانت القصدية للخير والإصلاح، أو للأنانية المطلقة التي قد تؤدي إلى الفساد، فصاحبها يحاول الاستقلال وفرض الحرية فوق الجميع. وأما الكائن المنحط دون قصدية، مجرد ردود أفعال وعبد لشهواته، فهذا هو الأقل إنسانية، والأقرب إلى الحيوان.
هذا ما أراه، وهذا ما أؤمن به.