u/PatientShopping7645

▲ 15 r/AlgeriaRates+1 crossposts

العصبية القبلية وتحولها في المجتمع الحديث

العصبية القبلية وتحولها في المجتمع الحديث

تُعدّ فكرة “العصبية” من أهم الأفكار التي ناقشها إبن خلدون ، إذ لم يكن يقصد بها مجرد الانتماء إلى القبيلة، بل كان يحاول تفسير طبيعة الإنسان الاجتماعية وكيف تتكوّن الجماعات وتدافع عن نفسها. وقد رأى ابن خلدون أن الإنسان بطبعه يميل إلى الانتماء لجماعة تمنحه الحماية والقوة والشعور بالهوية، ولذلك ظهرت القبائل والعشائر في المجتمعات القديمة كوسيلة للبقاء والاستمرار.

في المجتمعات الصحراوية والبدوية، كانت القبيلة تمثل كل شيء للفرد؛ فهي مصدر الحماية والغذاء والدفاع والكرامة. وكان الفرد يشعر أن أي اعتداء على شخص من قبيلته هو اعتداء عليه شخصيًا، لأن مصير الجميع مرتبط ببعضهم البعض. ومن هنا ظهرت العصبية القبلية، أي الانحياز الشديد للجماعة والدفاع عنها حتى في أوقات الخطأ أو الظلم.

لكن إذا تأملنا المجتمعات الحديثة اليوم، نجد أن الناس لم يعودوا يعيشون في القبائل كما في السابق، بل انتقل أغلبهم إلى المدن، وظهرت الدولة الحديثة والقانون والمؤسسات. ومع ذلك، فإن العصبية لم تختفِ، بل تغيّر شكلها فقط. فالإنسان ما زال يحمل داخله الحاجة نفسها إلى الانتماء والتكتل، ولذلك ظهرت أشكال جديدة من العصبية تتناسب مع الحياة الحضرية الحديثة.

فنجد اليوم مجموعات شبابية تتشابه في طريقة اللباس أو الموسيقى أو طريقة الكلام أو حتى طريقة التفكير. وفي الجزائر مثلًا، يمكن ملاحظة بعض المجموعات التي تتبنى “ستايل” معينًا في اللباس أو السلوك، فيشعر الفرد داخل هذه المجموعة أن كرامته مرتبطة بكرامة الجماعة كلها. فإذا تعرض شخص من هذه الفئة للإهانة، فإن بقية الأفراد يعتبرون الأمر موجّهًا إليهم أيضًا. وهنا تظهر العصبية بشكل جديد؛ ليست عصبية قبيلة صحراوية، بل عصبية هوية حضرية أو اجتماعية.

إن الإنسان المعاصر لم يتخلّص من عقلية “نحن” و”هم”، بل أعاد تشكيلها بأدوات مختلفة. فبدل القبيلة ظهرت جماعات الأحياء، ومجموعات الإنترنت، والفرق الرياضية، والتيارات الفكرية، وحتى جماعات الموضة والموسيقى. وهذا يدل على أن العصبية ليست مرتبطة بالمكان فقط، بل هي جزء من الطبيعة البشرية التي تبحث دائمًا عن الانتماء والقوة الجماعية.

وقد تحدث ابن خلدون أيضًا عن الفرق بين أهل البادية وأهل المدن، فرأى أن سكان البادية أكثر صلابة وخشونة بسبب طبيعة حياتهم القاسية. فهم يعتمدون على أنفسهم في الدفاع عن حقوقهم، ويتحملون الجوع والعطش والتعب، مما يجعلهم أقوى بدنيًا ونفسيًا. أما سكان المدن فيميلون مع الزمن إلى الراحة والاعتماد على الدولة والخدمات، فتقل عندهم صفات الشدة والخشونة التي توجد عند أهل البادية.

ويمكن إسقاط هذه الفكرة جزئيًا على الواقع الحالي، إذ نلاحظ أن الشخص الذي ينشأ في بيئة صعبة أو قاسية غالبًا ما يكتسب قدرة أكبر على التحمل والصبر والمواجهة، بينما من يعيش حياة مريحة جدًا قد يصبح أقل قدرة على تحمل الضغوط. غير أن مفهوم القوة في العصر الحديث لم يعد يقتصر على القوة الجسدية فقط، بل أصبح يشمل قوة الفكر والمعرفة والتنظيم والقدرة على التحكم النفسي والاجتماعي.

كما أن المجتمع الجزائري ما زال يحمل آثار العصبية التقليدية رغم التحول نحو الحياة المدنية، لأن الروابط العائلية والقبلية بقيت قوية عبر التاريخ، خاصة في الفترات التي كان الناس يعتمدون فيها على العائلة والعرش والقبيلة للحماية والمساعدة. ولهذا ما زال كثير من الأفراد يقدّسون ما فعله الأجداد ويفضلون الوقوف مع جماعتهم حتى لو أخطأت، لأن ذلك يمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء.

إن أخطر ما في العصبية الحديثة أنها لم تعد محدودة بمكان جغرافي صغير كما في الماضي، بل أصبحت تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمجموعة من الناس أن تتعصب لفكرة أو شخص أو أسلوب حياة خلال ساعات قليلة فقط. وهكذا انتقلت العصبية من الخيمة والقبيلة إلى العالم الرقمي والمدينة الحديثة.

وفي النهاية، فإن الفكرة العميقة التي أراد ابن خلدون توضيحها هي أن العصبية قوة طبيعية تساعد الجماعات على التماسك والتعاون، لكنها تتحول إلى خطر عندما تصبح تعصبًا أعمى يرفض الاختلاف ويبرر الظلم. ولذلك فإن تطور المجتمعات لا يعني اختفاء العصبية، بل يعني محاولة توجيهها نحو التعاون والعدل بدل الصراع والانقسام.

reddit.com
u/PatientShopping7645 — 24 hours ago